الرئيسيةالبوابةس .و .جالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 تأمّل في المزمور الرابع

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
kokie
مشرف
مشرف
avatar

عدد الرسائل : 745
تاريخ التسجيل : 20/03/2008

مُساهمةموضوع: تأمّل في المزمور الرابع   4/5/2008, 1:49 am

سـرّ الحـرب الـروحـيّة
تأمّل في المزمور الرابع[*]


[b]"إذ دعوتُ استجابَ لي إلهُ برّي، في الحزن فرّجتَ لي،
ترأّفْ عليَّ واستمعْ صلاتي"

"مزمور لداوود في النهاية من التسابيح"

"في النهاية": إنّه يتكلّم عن نهاية الجهاد الروحيّ؛ يتكلّم عن القيامة التي هي مظهر العالم الآتي ونهاية الحاضر. وكما يقول القدّيس غريغوريوس النيصصي إنّ هذا المزمور هو صلاة مناسبة لكلّ نفس تدخل جهاداً، لأنّه يؤكّد النصر المنتظر والمرجوّ وهكذا يتشدّد أصحاب الجهاد.

ويُعتقد أنّ داوود قد نظمه تسبحةَ غلبةٍ وشكرٍ على عظائم الله التي أتمّها له تجاه أبيشالوم (ثيوذورتيوس). إنّه مزمور جميل على قلب كلّ مسيحيّ بدأ جهاداً روحيّاً ويرجو التحرّر من أهوائه وصعوباته. إنّه مزمور يعطي دفعة ونشاطاً وانطلاقة.

"بما أنّ النهاية المرجوّة لكلّ جهاد هي الغلبة، لذا يتطلّع إليها المجاهدون ليدخلوا الميدان بشجاعة، فإنّ كلمة "في النهاية" تحثّ الهِمَم فوراً في نفوس المجاهدين لعيش الفضائل، فهم إذ ينظرون إلى النهاية، أي الغلبة، والأكاليل، تسهلُ أتعابُ جهادهم...".

"سرّ الصلاة والطلب - الحرب الروحيّة - أنا والله"

(1) إذ دعوتُ استجابَ لي إلهُ برّي

لكي ندخل إلى عمق هذه الصرخة الفرحة، لربّما الأسهل أن نبدأ بشرح آخرها، وذلك من كلمات الذهبيّ الفمّ، الذي درَّ على العصور بدرره الذهبيّة الثمينة، فهو يشرح كلمة "إله برّي" ويؤكّد أنّ داوود هنا لا يفتخر ببرّه الذاتي، كالفريسيّ مثلاً! هنا على العكس، داوود بقلب منسحق يعيد الفضل ببرّه للربّ،"فكلّ ما نعمله إنّما نحن عبيد بطّالون"، و"بدونه لا نقدر أن نعمل شيئاً"، وكلّ إنجاز بشريّ هو هديّة وهبة إلهيّة.

هذه العبارة أشبه مثلاً بفنّان موسيقيّ رائع عندما يمتدحوه يقول فلان هو أستاذي، معيداً فضل براعته لأستاذه. هكذا داوود يعرف في العمق أنّ علّةَ سعادته وحياته البارّة هي نتيجة تحنّن الله وثمرة علاقته بالله والحياة بقربه. فالشعور بالحياة البارّة والسعيدة ليس خطأ، إنّما إعادة ذلك إلى الذات هو الفريسيّة. الفرح بحياتنا المسيحيّة هو أمر واقعيّ. والمسيحيّ يشكر كثيراً ومن العمق، لأنّه تعرّف على الله، ويعرفه الله، فهو إله حياته القويمة، أي إله برّه.

من جهة أخرى يتوقّف فمّ الذهب عند هذه الكلمات ويؤكّد أنّه لكي يُستجاب الإنسانُ عندما يدعو الله في الصلاة عليه ليس فقط أن "يتقدّم هو"، وإنّما أن يأتي "ويقدّم"؛ ماذا يقدّم؟ حياته البارّة! الصلاة ليست تأمّلاً فكريّاً وهي أبعد عن أن تكون مجرّد مشاعر شخصيّة، إنّها حوار مع شخص وليست توجيهَ أشعار وتسابيح إلى فكرة!

لهذا وقفة الصلاة كما يسمّيها السلميّ هي "محكمة" ومحاكمة، إنّها مواجهة، وفي هذه المواجهة يجب أن أتّجه أنا إليه وأن يلتفت "هو" إليَّ. عندما يغيب اللهُ عن صلاة المسيحيّ يكرّر مع داوود صلاته: "إلى متى يا ربّ تنساني أَإلى الانقضاء، إلى متى تصرف وجهك عني...".

الصلاة ليست رسالةً إلى الله وإنّما حديث معه. هذا لا يتطلّب حضوري فقط وإنّما حضوره ورضاه أيضاً. لو تكلّمنا مع شخص يردُّ لحظَه عنّا، لا يستمرّ الحوار، ويبقى الحديث مجرّد بتْبَتَة كلمات أو ثرثرة.

يواجه المسيحيّ اللهَ في الصلاة لهذا علينا "ألاّ نطيل الكلام عبثاً في الصلاة". فالمسيحيّ لا يردّد فيها مجرّد عبارات وإنّما يقدّم حياته أمام الله. إذن نتكلّم ليس عن خدم وصلوات وإنّما عن حياة الصلاة. الصلوات والخدمات الليتورجيّة هي عبارات تلك الحياة. المطلوب أن تصير كلّ الحياة صلاة، وأن نردّد مع بولس المصلّي: "لستُ أنا أحيا بل المسيحُ يحيا فيَّ". الصلاة الدائمة ليست في المعبد فقط وليست أمام الأيقونة فحسب، هذه الأخيرة هي صلوات الواقفين بعد على الدرجات الأولى. مَن ولج حقاً إلى الصلاة هو مَن ولَج المسيحُ إلى حياته فصار مركزَها. لا يدخل الربُّ إلى حياة لا مكانة له فيها أو إلى معابد فيها آلهةٌ أخرى.

نكرّر دائماً في صلواتنا وطلباتنا - وغالباً ما نسهو عن عمق الكلمات فتغدو تكراراً مملاًّ – العبارةَ: "وكلّ حياتنا للمسيح الإله". أن نعطي حياتنا لله لا يعني أن ننقطع عن حياتنا وإنّما أن نحيا ونعمل من أجل الله، ونسير بدنيانا وبإخوتنا نحو الله. الجميع يعملون ويشتغلون ويلدون ويولدون، لكن السؤال هو: لماذا ولمن؟ الحياة للربّ. حياة البرّ ليست مهنةَ الرهبان فحسب، إنّما دعوة كلّ مسيحيّ، كلٌّ من مكانه. الحياة للمسيح لا تعني الحياة التأمليّة والابتعاد عن العالم. الحياة للمسيح تعني أن يكون هو غايةَ وجودنا، به نحيا وإليه نتحرّك. "لا لنا يا ربّ لا لنا بل لك". هكذا نردّ على كلّ الطلبات: "لك يا ربّ". هذه هي الحياة البارّة التي غايتها ونهايتها "هو". هكذا تغدو الحياة غبطة، عندما تأخذ معنى، ومعنى حقيقيّاً وصحيحاً. عكس ذلك تبقى الحياةُ وجوداً قلقاً وطلباً لا يشبع إنْ لم ينقلب إلى عداوات وتسابقاً على ملذّات الدنيا ومراكزها، سعياً لإشباع ذاتنا التي لن تشبع حقّاً إن لم تلتقِ بالمسيح.

لا يطلب الله منّا إطالة الكلام معه، إنّما حياتنا؛ لا يطلب منّا يداً أو حاسّةً أو عضواً أو جزءاً من حياتنا وإنّما يقول: "يا بنيَّ أعطِني قلبك". وعندما نعطي القلب لله وحده عندها يجول هو فيه ونسمع وقع خطاه ويصير القلب ليس عضلات وإنّما دنيا تحمل كلّ الناس وتحبّ كلّ الناس ولا تكره أحداً. وسط الظلم والضيقات يعرف القلب كيف يصلّي وكيف يتحرّك ويسعى. هذا هو سرّ استجابة الله، سرّ الصلاة.

الربّ سريع الإجابة لمثل هذا القلب. أشعياء النبيّ يقول: "أُدْعُ والله يستمع لك. فعند دعائك يجيب ها أنا حاضر"[2]. الله حاضرٌ فعلاً وينظر إلينا، عندما نحضر نحن دون مراآة؛ عندما نحضر إليه ونحن لا نخفي داخلنا أعداءه، وهو الفاحص القلوب والكلى... المراآة بالصلاة هي سمّها. إنها الصلاة بالشفاه. على مثل هؤلاء المصلّين ينطبق توبيخ الربّ: "هذا الشعب يكرمني بشفتَيه وقلبه بعيد عنّي". مَن يستطيع أن يواجه الربّ بقلب معوجّ؟

تدبّ المراآة بين الناس. وغالباً، وللأسف، ما تأخذ لون التهذيب والمجاملات واللياقات لكن، أمام الله، الوقفة هي محاكمة صريحة "فالأفعال تُكشف والأفكار تُستفحص". لا يمكننا أن نرضي الله "بالكلام" وإنّما بالحياة. مهما صرخنا لن يستجيب لنا إن لم نتقدّم إليه من حياة بارّة.



§ في الحزن فرّجتَ لي

هذا هو سرّ الصليب. "لكلّ إنسان صليبه" مقولة محفوظة، لكن قد نخطئ فهمها عندما نعطيها معنى تشاؤميّاً. الصليب هو علامة الغلبة والتضحية، وليس علامة القدر الأسود؛ المسيح بدّل معناه.

هنا يعبّر داوود بصلاته فعلاً عن سرّ الألم والمصائب والشدائد في حياة المسيحيّ. المسيحيّ لا يطلب الهروب من مواجهة الحياة، ولا يصلّي لكي يُحيد الله عنه الشدائدَ، فالله يجرّب مَن يحبّه. رهبان وقدّيسون يعتبرون الفترات التي لا يمرّون بها بضيقات فترات "هجر إلهيّ". عندما تشتدّ المصاعب يرفع المسيحيّ صرخة: "إن أمكن فلتجزْ عنّي هذه الكأس، ولكن لا تكنْ مشيئتي بل مشيئتك". عالمنا دنيا مخلوطة بالضيقات والشدائد والأمراض والأحزان... والمسيحيّ لا يمكنه أن يطلب الفرار. في قلب هذه الشدائد يأتي الربّ. بمعنى آخر، نصرخ إلى الربّ الواقف "الحاضر" فتتنقلب هذه الشدائد من قدر أسود إلى صليب رائع نرفع ذواتنا عليه جَدّاً وتعباً وتضحيةً وفديةً ومحبّة للآخرين. هكذا تجلب الشدائدُ بدل الحزن فرجاً وبدل الكآبة غبطةً وبدل التشاؤم وفرحاً.

في الحزن فرّجتَ لي: لم يرفع الربّ عن داوود هنا شدّته، وإنّما جعله قويّ القلب رابط الجأش مؤمناً مواجهاً للدنيا بفرح. الربّ، كما يقول اسحق السريانيّ، لا يجرّب أحداً بأكثر من طاقته ومع كلّ ضيق يسمح به يرسل مخرجاً له. معروفة لدينا قصّة الليلة التي أمضاها القدّيس أنطونيوس الكبير محارَباً ومجرَّباً من الشياطين، حين تنهّد عند الصباح إذ انصرفت تلك عنه ورفع تنهّده إلى الله: أين كنتَ طيلة تلك الليلة؟ فأجابه الله: قربك أراقب وأعدّ انتصاراتك. الله كالأم التي تترك طفلها لوحده في الخطوات الأولى ولكنّها فوقه ومن خلفه لا تتركه يقع.

وقصّة ذاك المسيحيّ، الذي كان يتأفّف دائماً على الربّ: إنّ صليبي كبير، أيضاً معروفة. فإذ أراه الله كلّ صلبان الدنيا، جال بينها إلى أن راق له إحداها، صليب صغير وجميل، ولما اختاره كان صليبَه الشخصيّ بالذات. داوود هنا يشكر الربّ ليس لأنّه رفع عنه الشدائد ولكن لأنّه عندما سمح بها ساعده ليجدها ليس "ضيقات" وإنّما "فرجاً".



§ ترأّفْ عليَّ واستمعْ صلاتي

هنا، كما يقول القدّيس كيرلّلس، أبدل داوودُ النبيّ زمنَ الفعل. أي بدل: "ترأّفتَ عليَّ واستمعتَ صلاتي" لمرّة واحدة، يقول هذا ما يحصل على الدوام، يطلب أن يبقى الله قربه في شدائده المحيطة به، وأن يعطي أذنه إلى تضرّعاته فهي فرجه وقوّته.

ترأّف، نعم. الحياة وإن كانت طاهرة لا تشتري من الله الاستجابة. الاستجابة هي فعل محبّة الله، وليس "بدلَ جهادنا". جهادنا وحياتنا البارّة هما الشراع المشدود الذي يسمح لنفخات الروح التي تهب أن تسيّر به سفينة الحياة. هبوب الرّيح على شراع مطوي لا يفيد، والشراع المشدود بدون الرّيح يترك المركب يتخبّط في المحيط. حياتنا البارّة هي "دلالة" فقط على طلبنا الصادق لله وبعدها كلّ ما نحقّقه هو من الله ولله وحده.



"يا بَني البشر حتّى متى أنتم ثقيلو القلوب؟
لماذا تحبّون الباطل وتبتغون الكذب؟"

بهذه الكلمات الحارّة يستنهض داؤود النبيّ نفوسنا! إنّها كلماتٌ تتعرّض تماماً إلى حقيقة الإنسان، الذي يرى نفسه يوماً يحبّ الباطل فيسقط ويوماً يحبّ الحقّ فينهض. ما هذا السرّ الإنسانيّ، هناك مَيلان، الأوّل نحو الباطل والثاني نحو الحقّ؟ مرّات يثقل قلب الإنسان فيبتغي الكذب، ومرّات تُنهض قلبه قوّة غريبة "فيذبح ذبيحة الصّدق"!

هناك عوالم ثلاثة: الله، الإنسان، والعالم الماديّ. الله روح مجرّد عن المادّة، والعالم الماديّ مجرّد عمّا هو روحيّ، والإنسان كائن حدوديّ يشترك في العالمَين. يستطيع الإنسان وهو مادّة –خليقة أن يناجي الخالق وأن يتّصل بالله، وهذه فرادته الحقيقيّة عن عناصر الكون والعالم الماديّ الأخرى كلّها. وحقيقةً، إنّ الإنسان في حوار دائم مع هاتَين الجهتَين: الله والعالم الماديّ؛ وكلُّ طرف يشدّه إليه. الإنسان كائن تشدّه الرغبات، فتارّةً تشدّه رغباته إلى الله وتارّةً إلى الدنيا. لا يمكن للإنسان أن يبقى على الحدود. إنّ حياته تتميّز بالديناميكيّة. الإنسان كائن الرغبات. والرغبة دائماً عكس الستاتيكيّة. الرغبة تسحب إلى خارج الواقع الحاليّ، إنّها جاذبيّة. لذلك الإنسان متبدّل وليس جامداً، وليست مواقفه ثابتةً دوماً.

يحمل الإنسان إذن في طبيعته قدرة الاتّصال بالله وكذلك بعناصر الدنيا الماديّة. فحين يميل إلى الطرف الأول يتطاير في العشق الإلهيّ، فيصير مثل الله بالنعمة وليس بالطبيعة؛ وعندما يميل إلى الطرف الثاني يفقد روحانيّته ويصير أقرب إلى المادّة لا حياة فيه، كذلك بالحالة وليس بالطبيعة. يمكن للإنسان أن يصير روحانيّاً أو ماديّاً بقدر ما يميل إلى الله أو المادّة، يمكنه بطبيعته أن يسلك في أحد الاتجاهَين.

هذا التحوّل نحو الروح أو نحو المادّة ليس طبيعيّاً ولا عفويّاً ولا أوتوماتيكيّاً ولا بالصدفة! يقدر الإنسان على ما هو روحيّ كما يقدر على ما هو ماديّ، هذا في طبيعة الإنسان نعم، لكن أن يلتفت إلى ما هو روحيّ ويطلبه أو إلى ما هو ماديّ ويشتهيه ويجذبه، هذا في إرادته. إذ تلعب حريّة الإنسان الدورَ الأساسيّ في اختيار أحد الاتجاهَين وتقبّل جاذبيّة أحد الطرفَين، الروحيّ أو الماديّ.

نعم للعالم جاذبيّة متأصّلة في حاجات الحياة وطبيعة الإنسان، وهذه حقيقة أوجدها الله فيه كيما يميل إلى استخدام العالم والعناية به؛ وهذا هو دافع كلّ تطوّر وتحسين ومسؤوليّة ورغبة في احترام الماديّات وتأهيلها لاستخدامات أمثل وبمردود أفضل. لكن المسألة تصبح مشكلةً حين يميل الإنسان بأشواقه إلى الدنيويّات لدرجة يستسلم إليها وتصبح موضع عبادة ورجاء وعشق، وليس مجرّد أداة ثمينة للحياة. عندئذ تتدنّى الأبعاد الإنسانيّة إلى حدود قيمة الأمور الدنيويّة، وذلك على حساب سموّ الدعوة الروحيّة المنتظَر من الإنسان التزامها. كلّ استخدام للدنيا "خدَمِيّ" هو حقّ، ويرفع من قيمة الإنسان الروحيّة. لكن أيّ استخدام "عباديّ- عشقيّ" يهبط بالإنسان، ويقتل فيه رِفعتَه الروحيّة فيتدنّى.

والله جذّاب جدّاً للإنسان. فبلُغَةِ النسّاك يتطاير الأبرار بالعشق الإلهيّ. وسها داؤود عن أكل خبزه حين تأمّل بالله. والحالات عديدة، التي عند الضرورة ضحّى فيها بشرٌ بكلّ ما هو ماديّ من أجل ما هو روحيّ. يشكّل الشهيد الصورة المطلقة لغلبة خيار الروح على خيار المادّة عند الإنسان، ولهذا للشهيد كرامة خاصّة. لا ننسى أنّ حالات الشهادة هذه تتلوّن وتتعدّد، وكما قال بولس الرسول "من أجلك نُماتُ النّهار كلّه"، إنّه موت شهادة الحياة. الموت الذي يطلبه الكتاب منّا ثمناً لكي نحيا: "مَن أمات نفسه من أجلي يجدها". هذه الحركة مِن تعشُّق الماديّات إلى عشق الإلهيّات هي ما يسمّيه بولس خَلْعُ الإنسان القديم (موته) ولِبْسُ الإنسان الجديد (قيامته).

هناك عشقٌ بشريّ داخليّ يلفت نظرَ الإنسان إلى كلّ ما هو صالح وإلهيّ وسامٍ، وهذه هي ساحة اللّقاء وحيز التواصل بين الله والإنسان؛ وهذه اللقاءات تسحب الإنسان من وضعيّته الراهنة إلى "ما هو أكثر" في العلاقة مع الله. هذه الجاذبيّة الروحيّة تجعل حياة الإنسان في حركة دائمة روحيّاً أيضاً. لذلك يظهر الإنسان دائماً مندفعاً بسبب هذه الدوافع إلى الله. جاذبيّة الله بالنسبة للإنسان هي جماله وصلاحه. تجيب الصورةُ الإلهيّة على عشق الإنسان الداخليّ الحقيقيّ. وجاذبيّة العالم بالنسبة للإنسان هي الحاجة إليه. ويحقّق العالم للإنسان وسيلة الحياة.

إنّ استمراريّة الحياة تضطرّ الإنسان حكماً أن يلتفت إلى العالم، لكن أحياناً بعد أن يستخدمه يشتهيه. كما أنّ اللهَ يتحرّك بصلاحه نحو الإنسان بالكشف الإلهيّ والعناية الدائمة، على الأبرار والأشرار؛ وهذا ما يولّد عند الإنسان، عندما يعي ذلك، الشعورَ بالانكسار والامتنان لله الذي يتذكّره حتّى عندما ينساه هو. يستنهض الروحُ القدس الرغبةَ فينا إلى الإلهيّات ويحرّك الصورةَ الراقدة فينا والرغبة المؤجّلة أو المجمّدة نحو طلب السماويّات. يثير الروحُ ما يلفت نظرنا إلى ذلك العالم الذي ننساه أو نتناساه؛ لعلّنا نعود "نتوب" إلى الله. وإذا ما حصل هذا وتحرّكت الرغبةُ فينا نحو الله يحرّكها الروح ويقودها بالنعمة. لكن كلّ ذلك دون أن يغصب حريّة الإنسان. الروح يستدعي، وإذا ما استجبنا يساعد. لكن الروح لا يغصب. لأنّ شرط الحبّ هو أوّلاً الحريّة! والحبّ بالغصب هو خنوع. لا حبّ إلاّ بحريّة الاختيار.

العطش الإنسانيّ، إلى الله أو إلى المادّة، هو في طبيعة الإنسان، لكن الالتفات إلى هذا الطرف أو ذاك هو خيار بشريّ.

هكذا يأتي التزامنا بالصوم وممارستِه رياضةً تنمّي فينا الالتفاتَ إلى الله والتجرّد عن شهوة العالم؛ الصوم يجعلنا نختار لأشواقنا المحبّة الإلهيّة. يقبل الصومُ أن نستخدم العالمَ، لكنّه يحفظ القلب لله. العالم غير شهوته. ونحن صائمون نبقى في العالم، لكن شهوتنا تكون مشدودة نحو الله. بالصوم، نحاول - ونحن نحيا في العالم - أن نتّحد بالله.

يروّض الصومُ ما فينا وما لنا من العالم. يشعل الصومُ فينا العشقَ الإلهيّ، الذي كتب عنه القدّيس اغناطيوس المتوشّح بالله قائلاً: "أكتبُ لكم وأنا بعد حيّ، أنّني أشتهي الموت، إنّ هيامي قد صُلب وليس فيَّ بعدُ عشقُ الماديّات، إنّما ماء حيّ رقراق يتدفّق فيَّ ويقول هلمَّ إلى الآب"[3].

هذا الماء الروحيّ الدفّاق الذي يُحييه الروح يشدّنا إلى الآب وإلى القريب أيضاً، ويخلق فينا ديناميكيّة الحياة الصالحة، آمين.

من كتاب مصاعد القلب
[/b]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الله يرعانى
خادم الجميع
خادم الجميع
avatar

عدد الرسائل : 1412
Localisation : فى قلب يسوع
تاريخ التسجيل : 04/06/2007

مُساهمةموضوع: رد: تأمّل في المزمور الرابع   4/5/2008, 11:43 am

الصلاة ليست رسالةً إلى الله وإنّما حديث معه. هذا لا يتطلّب حضوري فقط وإنّما حضوره ورضاه أيضاً. لو تكلّمنا مع شخص يردُّ لحظَه عنّا، لا يستمرّ الحوار، ويبقى الحديث مجرّد بتْبَتَة كلمات أو ثرثرة.
يحمل الإنسان إذن في طبيعته قدرة الاتّصال بالله وكذلك بعناصر الدنيا الماديّة. فحين يميل إلى الطرف الأول يتطاير في العشق الإلهيّ، فيصير مثل الله بالنعمة وليس بالطبيعة؛ وعندما يميل إلى الطرف الثاني يفقد روحانيّته ويصير أقرب إلى المادّة لا حياة فيه، كذلك بالحالة وليس بالطبيعة. يمكن للإنسان أن يصير روحانيّاً أو ماديّاً بقدر ما يميل إلى الله أو المادّة، يمكنه بطبيعته أن يسلك في أحد الاتجاهَين.

موضوع منتهى الجمال يا كوكى ربنا يبارك حياتك وخدمتك

_________________
4 أشياء في حياتك لا تفعلها
فقد الثقة ونكث الوعد وتحطيم العلاقات وكسر القلب
لأنها لا تحدث صوتا ولكنها تحدث الكثير من الألم

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://launch.groups.yahoo.com/group/clear-heart/
karter
مشرف
مشرف
avatar

عدد الرسائل : 434
Localisation : تحت اقدام المسيح
تاريخ التسجيل : 11/01/2008

مُساهمةموضوع: رد: تأمّل في المزمور الرابع   4/5/2008, 6:12 pm

الصلاة ليست تأمّلاً فكريّاً وهي أبعد عن أن تكون مجرّد مشاعر شخصيّة، إنّها حوار مع شخص وليست توجيهَ أشعار وتسابيح إلى فكرة!


ما اروع تلك الكلمات ليتنا نتامل في هذى الكلمات ونقراها بتمعن
شكرا كوكى لمواضيعك الجميلة
منتظرين المزيد

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
lolla
بنت البابا
بنت البابا
avatar

عدد الرسائل : 1209
العمر : 29
تاريخ التسجيل : 12/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: تأمّل في المزمور الرابع   5/5/2008, 7:20 pm

ميرسى كوكى كتير على الموضوع الرائع
الرب يبارك حيات و خدمتك الغاليه
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
تأمّل في المزمور الرابع
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
البابا كيرلس :: القسم الروحى :: منتدى التاملات الروحيه-
انتقل الى: